الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور
108
تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )
أَ فَرَأَيْتُمُ اللَّاتَ وَالْعُزَّى ( 19 ) وَمَناةَ الثَّالِثَةَ الْأُخْرى ( 20 ) أَ لَكُمُ الذَّكَرُ وَلَهُ الْأُنْثى ( 21 ) تِلْكَ إِذاً قِسْمَةٌ ضِيزى ( 22 ) إِنْ هِيَ إِلَّا أَسْماءٌ سَمَّيْتُمُوها أَنْتُمْ وَآباؤُكُمْ ما أَنْزَلَ اللَّهُ بِها مِنْ سُلْطانٍ . لما جرى في صفة الوحي ومشاهدة رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم جبريل عليه السلام ما دل على شؤون جليلة من عظمة اللّه تعالى وشرف رسوله صلى اللّه عليه وسلم وشرف جبريل عليه السلام إذ وصف بصفات الكمال ومنازل العزة كما وصف النبي صلى اللّه عليه وسلم بالعروج في المنازل العليا ، كان ذلك مما يثير موازنة هذه الأحوال الرفيعة بحال أعظم آلهتهم الثلاث في زعمهم وهي : اللات ، والعزّى ، ومناة التي هي أحجار مقرّها الأرض لا تملك تصرفا ولا يعرج بها إلى رفعة . فكان هذا التضاد جامعا خياليا يقتضي تعقيب ذكر تلك الأحوال بذكر أحوال هاته . فانتقل الكلام من غرض إثبات أن النبي صلى اللّه عليه وسلم موحى إليه بالقرآن ، إلى إبطال عبادة الأصنام ، ومناط الإبطال قوله : إِنْ هِيَ إِلَّا أَسْماءٌ سَمَّيْتُمُوها أَنْتُمْ وَآباؤُكُمْ ما أَنْزَلَ اللَّهُ بِها مِنْ سُلْطانٍ . فالفاء لتفريع الاستفهام وما بعده على جملة أَ فَتُمارُونَهُ عَلى ما يَرى [ النجم : 12 ] المفرعة على جملة ما كَذَبَ الْفُؤادُ ما رَأى [ النجم : 11 ] . والروية في أَ فَرَأَيْتُمُ يجوز أن تكون بصرية تتعدّى إلى مفعول واحد فلا تطلب مفعولا ثانيا ويكون الاستفهام تقريريا تهكميا ، أي كيف ترون اللات والعزّى ومناة بالنسبة لما وصف في عظمة اللّه تعالى وشرف ملائكته وشرف رسوله صلى اللّه عليه وسلم ، وهذا تهكم بهم وإبطال لإلهية تلك الأصنام بطريق الفحوى ، ودليله العيان . وأكثر استعمال « أرأيت » أن تكون للرؤية البصرية على ما اختاره رضيّ الدين . وتكون جملة أَ لَكُمُ الذَّكَرُ إلخ استئنافا وارتقاء في الرد أو بدل اشتمال من جملة أَ فَرَأَيْتُمُ اللَّاتَ وَالْعُزَّى لأن مضمونها مما تشتمل عليه مزاعمهم ، كانوا يزعمون أن اللات والعزى ومناة بنات اللّه كما حكى عنهم ابن عطية وصاحب « الكشاف » وسياق الآيات يقتضيه . ويجوز أن تكون الرؤية علمية ، أي أزعمتم اللات والعزى ومناة ، فحذف المفعول الثاني اختصارا لدلالة قوله : أَ لَكُمُ الذَّكَرُ وَلَهُ الْأُنْثى عليه ، والتقدير : أزعمتموهن بنات